مقولات مجدي حسين

مذكرات مجدي حسين في السجن في قضية يوسف والي الحلقة الثانية



السبت, 04 يونيو 2011


مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية يوسف والى
الحلقة الثانية
مقدمة :
 
 
هذه اليوميات .. ربما تدخل تحت باب المواد الخفيفة .. و ربما تدخل تحت عنوان الأدب و الخواطر .. و لكنها تكتسب أهميتها الآن فى ان صاحبها و زملاءه قد دخلوا السجن لأنهم نشروا ما تنشره الصحف الآن ضد يوسف والى و وزارة الزراعة !! و هذه المذكرات اضافة لما يكتب عن عالم السجون.. فالسجون اعتبرت هى السلاح الأمضى للقضاء على الرأى الآخر.. و المعارضة الشعبية .. و المجاهدون يحاولون أن يقنعوا الناس ألا يهابوا السجون .. و ألا تكون السجون - رغم كراهتها - عائقا دون ان نقول الحق أينما كنا لا نخشى لومة لائم ..
 
لكل هذه الأسباب وافقت على نشر هذه اليوميات ، التى لم أكتبها فى الأصل الا للتسرية عن نفسى فى زنزانة انفرادية ، و كوسيلة للتحدث مع نفسى ، بالاضافة الى ان الأجزاء السابقة التى نشرت لاقت استحسانا من جمهور عريض من قرائى .. و لذلك فاننى أنشرها أيضا حسب مايقال عادة - دون ان توجد وسيلة للتأكد من صدق ذلك - "بناء على طلب الجمهور" !!
 
و القسم الأول من هذه المذكرات تم كتابته بعد استقرارى فى زنزانة انفرادية أى بعد مرور قرابة أسبوعين على بداية الحبس .. أما القسم الثانى .. فسيكتب يوما بيوم ..
 
 
 
                                  ************
 
وقائع ليلة السجن :
 
التخلص من مراقبة الداخلية .. و مأدبة غداء لوداع الأسرة
 
و صلاة العصر جماعة فى نادى القاهرة .. و ترتيب حقيبة السجن
 
 
 
الجمعة 31 /3 / 2000:
 
استيقظت متأخرا كعادتى .. و ذهبت لصلاة الجمعة فى أحد مساجد الروضة الصغيرة و ذهبت لباعة الصحف و اشتريت عددا آخر من جريدة الشعب و عدت قافلا الى بيتى .. و حزمنا أمرنا على الخروج من المنزل و التفكير أثناء الطريق الى أى مكان نذهب (وهذه عادتنا!! ) خرجت و زوجتى و أحمد و هشام و السكون يلف المكان .. السكون الذى يسبق العاصفة .. و سرنا بالسيارة بغير هدى .. و بدأنا نناقش الى أين نذهب ؟! و تراوحت الاقتراحات بين السفر الى الأسكندرية أو فايد أو أحد مطاعم القاهرة ، و قبل عملية التصويت الشاقة (وهى تكون شاقة عادة لاختلاف الأمزجة بيننا نحن الأربعة ! ) قبل التصويت لاحظنا اننا مراقبون .. و ان دراجة بخارية تحمل اثنين من المخبرين تتبعنا .. فقلت هكذا بدأت النقطة الأولى فى برنامجنا المسلى .. لنبدأ بزحلقة هؤلاء الأوغاد !! و تحمس هشام - و ربما أحمد - لهذه الفكرة .. أما أنا فقد أصبحت مدربا على الهروب من المراقبة خلال حملتنا على وزير الداخلية السابق .. و قلت لنفسى يجب أن يعرف الأبناء اننى ليس لى نسب بأحمد حسين فحسب .. و لكن أيضا "بجيمس بوند" !!
 
و أراد الله أن يرفع رأسى عاليا فمع المناورة الأولى "دلقنا" المخبرين الأوغاد و أصبحنا أحرارا .. و لكن هيهات كان يجب أن أتأكد فربما تكون المراقبة أكثر تعقيدا و تركيبا .. فقمت بعدة مناورات حاسمة .. و عندما تأكدنا أننا أفلتنا تماما من أى نوع من المراقبة .. أوقفت السيارة .. و استغرقنا فى ضحك طويل . و قلت الآن نقرر الى أى مكان نذهب .. و استقر الرأى على مطعم أثير .. نحب الأكل فيه حيث تحتضننا مياه النيل ..
 
و كان هشام بالغ السعادة بهذه الحركة التى قمنا بها .. و كان يتذكرها بين الفينة و الأخرى . (حلوة قوى الحركة اللى عملناها فى المخبرين ! ) و لعلهم كانوا ضباطا!
 
أما أنا فان الرقابة عادة لا تضايقنى لأن حياتى شفافة ، كذلك فاننى لا أنتوى الهرب فى هذه المرة و لا أى مرة أخرى يتهددنى السجن .. و لكننى لا أحب الغلاسة.. و الغتاتة !!و كنت أريد أن أشرح لأبنائى عمليا درسا فى الاستهانة بقوى القمع ..
 
و طبعا كان هذا هو الدرس العاشر بعد المائة .. و قد عاشوا معى لحظة بلحظة ما واجهته على كمدار 3 سنوات خلال الحملة على وزير الداخلية السابق .. و هى القصة التى لم أرويها كاملة لأحد حتى الآن ..
 
و أنا لا أريد أن أدفع أبنائى للعمل السياسى .. و لكننى أريد بالتأكيد ان يكونا مواطنين مرفوعى الرأس .. لا يخشان الا الله .. و ان يؤمنا بالقدر خيره و شره .. و ان يخبتا الى الله سبحانه و تعالى .. ولا يعبدا من دونه من شئ .
 
فى المطعم كانت رحلتنا الغذائية اللذيذة .. و كنت أنتوى بخبث ان أستغل هذا الغذاء .. لالقاء المواعظ و مناقشة أحوال أحمد و هشام .. و اسداء نصائح مسافر خاصة و ان الامتحانات على الأبواب .. و لكننى فشلت فى خطتى .. و شعرت بارهاق الأيام و الشهور القليلة التى عشتها خارج السجن من 5/12/ 1999 حتى الآن .. خاصة و أن الأيام الأخيرة كانت شديدة الارهاق فى ظل المحاكمة اليومية .. و حيث تحولت رغم أنفى الى منسق و ضابط ايقاع فى هيئة الدفاع التى بدأ أستاذتها يفتر حماسهم بسبب هذه المحاكمة الشكلية .. و بسبب حالة الارهاق هذه .. وجدت نفسى مستسلما مع زوجتى و أحمد و هشام فى ثرثرة حرة .. و شعرت براحة نفسية كبيرة .. و قررت التخلى عن خطتى اللئيمة فى القاء المواعظ الأخيرة .. و قد كانت ثرثرة رائعة .. لدرجة اننى لا أتذكر منها شيئا !! و لم يقطع هذا الفاصل من التهريج الا مفاجأة سارة .. فقد وجدت الجالس بالمائدة المجاورة يقوم لتحيتى و السلام علىَ حيث لم أتبين وجهه لان الضوء كان فى خلفيته .. و لما اقترب منى وجدته أحد أصدقاء الدراسة .. انه دفعتى بكلية الاقتصاد و العلوم السياسية و أحسب أننا لم نلتق منذ تخرجنا أى منذ 28 عاما.. و يالها من سعادة .. و كانت القبلات .. أين أنت يارجل ؟!
 
و أتضح لى انه رجل أعمال ناجح و انه يعيش معظم وقته فى الولايات المتحدة .. و حسب ما أذكر فقد قال لى انه أصبح مزدوج الجنسية (أى مصرى - أمريكى) .. و انه الآن فى مصر فى أحد المشروعات .. و انه على الأغلب لن يستمر و سيفلت بجلده من مصر !
 
و أسعدنى انه يتابع أنباء معاركى بدقة و يدعو لى بالتوفيق .. و كذلك زوجته التى رحبت بى و نفحتنى بكلمات طيبات أكدت أنها تتابع بالفعل مايجرى بى و حولى !
 
و أحسب اننا تبادلنا أرقام الهواتف .. و لكننى الآن لا أدرى متى ألقاه مرة أخرى؟
 
واصلنا الجولة الحرة بعد ذلك الى نادى القاهرة الرياضى .. فهذا هو النادى الوحيد الذى نشترك فيه .. و لكننى لم أذهب اليه منذ أكثر من عام أو عامين .. و جلسنا قليلا فى النادى الاجتماعى المطل على النيل .. و لكننا عدنا و قررنا أن نتناول الشاى فى مكان آخر .. و أدينا صلاة العصر فى مسجد النادى ..و وقفنا نقرأ شروط رحلة لمرسى مطروح بمنتهى الدقة و كأننا يمكن حقا ان نشترك فيها ..
 
و قررت ان ننهى الجولة الحرة بمؤامرة صغيرة .. و هى شرب الشاى فى فندق (5نجوم) .. و أنا أحب - بين الحين و الآخر - أن أصحب الأبناء لمثل هذه الأماكن .. حتى يعتادوا عليها .. و ليدركوا ان الجلوس على مقهى كريم بالأسكندرية أفضل و أكثر حميمية من الجلوس فى فنادق الخمس نجوم ..
 
و أخيرا قررنا العودة الى البيت .. رغم معرفتنا اننا بذلك سنسلم أنفسنا للرقابة من جديد .. و التى ستكون أكثر احكاما .. لان أذكياء الداخلية لابد انهم قدروا أن لدى نية فى الهروب .
 
و واصلت عملى فى تنظيم أوراقى بمنتهى الشراسة .. و كنت كمن يحاول ان ينظم جبلا جليديا .. و لكننى رفعت شعار (مالايدرك كله لا يترك جله) و كنت بين الحين و الآخر أصيح على زوجتى من غرفة المكتب .. حضرى الحقيبة و ضعى فيها الملابس الزرقاء .. و كانت ترد على بحزم : لأ .. حتى انها أدخلت فى روعى ان لديها معلومات تخفيها عنى .. و ان لديها ما يؤكد اننى لن أحبس غدا ..
 
                                           **********
 
(البقية العدد القادم ان شاء الله )
 
 
 
 
         

أضف تعليق

عدد الحروف المسموح بها 800 والمتبقي منها
الموقع الرسمي للأستاذ مجدي حسين
جميـع الحـقـوق محـفـوظة © 2014
rss feed rss